علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
409
شرح جمل الزجاجي
تامة للدلالة على عدم انتقال الفاعل عن أمر ما فتقول : ما زال زيد عن وطنه . وما زال عمرو عن الضحك ، وكذلك باقي أخواتها . وزعم بعض نظار النحويين أنّ ما برح تدل على نفي انتقال الفاعل عن مكانه ، فإذا قلت " ما برح " ، فمعناه عنده : ما انتقل زيد عن المكان الذي كان فيه ، واستدلّ على ذلك بأنّ " برح " مشتقّ من البراح الذي هو اسم المكان ، فكأنك إذا قلت : " ما برح زيد " ، أردت : ما زال زيد عن البراح الذي كان فيه . وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، بدليل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ( 1 ) . ألا ترى أنّ من المحال أن يريد : لا أزال عن مكاني حتى أبلغ مجمع البحرين ، لأنّه معلوم أنّه ما دام في مكانه لا يبلغ مجمع البحرين ، فدلّ ذلك على أنّ " برح " بمعنى " زال " ، وأنّها غير مشتقة من " البراح " الذي هو المكان . * * * وأما " ما دام " فتستعمل أيضا تامة وناقصة ، فإن كانت تامة دلت على اتصال ما قبلها مدّة بقاء الفاعل ، نحو : " أقوم ما دام زيد " ، أي : يتصل قيامي مدة بقاء زيد . وإن كانت ناقصة فإنها قد يكون فيها ضمير الأمر والشأن ، وقد لا يكون . وتدل في الحالتين على اتصال ما قبلها مدة بقاء الصفة للموصوف ، فتقول : " أقوم ما دام زيد ضاحكا " ، أي : مدّة بقاء الضحك صفة ل " زيد " . * * * وأما " ليس " فلا تكون إلّا ناقصة ، وقد يكون فيها ضمير الأمر والشأن وقد لا يكون ، وهي في الحالتين لنفي الخبر . فإن كان الخبر مختصا بزمان ، نفته على حسب ما هو عليه من الاختصاص ، وإن كان محتملا للحال والاستقبال خلّصته للحال ، فتقول : " ليس زيد قائما الآن " ، و " ليس زيد قائما غدا " ، وإذا قلت : " ليس زيد قائما " ، فإنّما نفيت القيام عن " زيد " في الحال . * * *
--> ( 1 ) الكهف : 60